محمد بن جرير الطبري

489

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذكر ما انتهى إلينا من مغازي سليمان ع فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس - وهي فيما يقول أهل الأنساب - يلمقه ابنه اليشرح - ويقول بعضهم : ابنه أيلي شرح ، ويقول بعضهم : ابنه ذي شرح - بن ذي جدن بن أيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبا ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ثم صارت اليه سلما بغير حرب ولا قتال . وكان سبب مراسلته إياها - فيما ذكر - انه فقد الهدهد يوما في مسير كان يسيره ، واحتاج إلى الماء فلم يعلم من حضره بعده ، وقيل له علم ذلك عند الهدهد ، فسال عن الهدهد فلم يجده وقال بعضهم : بل انما سال سليمان عن الهدهد لإخلاله بالنبوة . فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ، ما حدثني العباس ابن الوليد الاملى ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، قال : حدثنا عطاء بن السائب ، قال : حدثني مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرا قعد على سريره ، ووضعت الكراسي يمينا وشمالا ، فيأذن للانس ، ثم يأذن للجن عليه بعد الانس ، فيكونون خلف الانس ، ثم يأذن للشياطين بعد الجن فيكونون خلف الجن ، ثم يرسل إلى الطير فتظلهم من فوقهم ، ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره ، والناس على الكراسي فتسير بهم ، غدوها شهر ورواحها شهر ، رخاء حيث أصاب ، ليس بالعاصف ولا اللين ، وسطا بين ذلك فبينما سليمان يسير - وكان سليمان اختار من كل طير طيرا ، فجعله راس تلك الطير ، فإذا أراد ان يسائل شيئا من تلك الطير عن شيء سال رأسها - فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فسال عن بعد الماء هاهنا ، فقال الانس : لا ندري ، فسال الجن فقالوا : لا تدرى ، فسال الشياطين ، فقالوا : لا ندري فغضب سليمان فقال : لا أبرح حتى اعلم كم بعد مسافة الماء هاهنا ! قال : فقالت له الشياطين : يا رسول الله لا تغضب ، فان يك شيئا يعلم فالهدهد يعلمه ، فقال سليمان : على بالهدهد ، فلم يوجد ، فغضب